الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

223

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

العظيمة تكون لها ظهور ، وهي أعاليها المجعولة كالسطوح لتقي الراكبين المطر وشدة الحر والقرّ . ولذلك فجمع الظهور من جمع المشترك والتعدية بحرف عَلى بنيت على أن للسفينة ظهرا قال تعالى : فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ [ المؤمنون : 28 ] . وقد جعل قوله : لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ توطئة وتمهيدا للإشارة إلى ذكر نعمة اللّه في قوله : ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ أي حينئذ ، فإن ذكر النعمة في حال التلبّس بمنافعها أوقع في النفس وأدعى للشكر عليها . وأجدر بعدم الذهول عنها ، أي جعل لكم ذلك نعمة لتشعروا بها فتشكروه عليها ، فالذكر هنا هو التذكر بالفكر لا الذكر باللسان . وهذا تعريض بالمشركين إذ تقلبوا في نعم اللّه وشكروا غيره إذ اتخذوا له شركاء في الإلهية وهم لم يشاركوه في الأنعام . وذكر النعمة كناية عن شكرها لأن شكر المنعم لازم للإنعام عرفا فلا يصرف عنه إلّا نسيانه فإذا ذكره شكر النعمة . وعطف على تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ قوله : وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا ، أي لتشكروا اللّه في نفوسكم وتعلنوا بالشكر بألسنتكم ، فلقنهم صيغة شكر عناية به كما لقّنهم صيغة الحمد في سورة الفاتحة وصيغة الدعاء في آخر سورة البقرة . وافتتح هذا الشكر اللّساني بالتسبيح لأنه جامع للثناء إذ التسبيح تنزيه اللّه عما لا يليق ، فهو يدلّ على التنزيه عن النقائص بالصريح ويدلّ ضمنا على إثبات الكمالات للّه في المقام الخطابي . واستحضار الجلالة بطريق الموصولية لما يؤذن به الموصول من علة التسبيح حتى يصير الحمد الذي أفاده التسبيح شكرا لتعليله بأنه في مقابلة التسخير لنا . واسم الإشارة موجه إلى المركوب حينما يقول الراكب هذه المقالة من دابّة أو سفينة . والتسخير : التذييل والتطويع . وتسخير اللّه الدواب هو خلقه إيّاها قابلة للترويض فاهمة لمراد الرّاكب ، وتسخير الفلك حاصل بمجموع خلق البحر صالحا لسبح السفن على مائه ، وخلق الرياح تهبّ فتدفع السفن على الماء ، وخلق حيلة الإنسان لصنع الفلك ، ورصد مهابّ الرياح ، ووضع القلوع والمجاذيف ، ولولا ذلك لكانت قوة الإنسان دون أن تبلغ استخدام هذه الأشياء القوية . ولهذا عقب بقوله : وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ أي مطيقين ، أي بمجرد القوة الجسدية ، أي لولا التسخير المذكور ، فجملة وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ في موضع الحال من ضمير لَنا أي سخرها لنا في حال ضعفنا بأن كان تسخيره قائما مقام القوة .